Return to مقالات بالعربي

الصورية في عقد الشركة

دراسة قانونية | القانون المدني الإماراتي

الصورية في عقد الشركة: الإطار القانوني وآثارها على الشركاء والدائنين والغير في دولة الإمارات العربية المتحدة

قراءة معمّقة في المادتين 394 و395 من قانون المعاملات المدنية، مع دراسات حالة توضيحية من قطاعي الأعمال والمقاولات

بقلم: المهندس محمد باسل النجار — خبير معتمد ومحكّم في منازعات المقاولات | زمن القراءة التقديري: 14 دقيقة

تحتلّ الصورية في عقد الشركة مكانة بارزة في الممارسة القانونية الإماراتية، وتكثر القضايا المتعلقة بها أمام المحاكم. ساعد على ذلك تشابك الأنشطة الاقتصادية من جهة، والتشريعات المتلاحقة التي واكبت التطور السريع لبيئة الأعمال في الدولة من جهة أخرى، فوجدت الصورية في هذا المناخ مجالاً خصباً للنمو، خاصة في الشركات ذات الشراكات المتعددة والمشروعات الإنشائية الكبرى التي تتداخل فيها مصالح الشركاء والمقاولين من الباطن والممولين.

تكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة لدى العاملين في قطاع الإنشاءات والمقاولات، حيث تتكرر صيغ الشراكة الصورية في هياكل الشركات المشتركة (Joint Ventures)، وترتيبات “الشريك المحلي” التاريخية، واتفاقيات المساهمة في الطرح على المناقصات الحكومية. فهم حدود المشروعية في هذه الترتيبات ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة عملية لتفادي بطلان العقود أو التعرض للمساءلة عند النزاع.

١. مفهوم الصورية في التصرفات القانونية

الصورية هي اتفاق طرفي التصرف القانوني على إخفاء إرادتهما الحقيقية تحت غطاء مظهر كاذب، سواء أكانت الصورية مطلقة أو نسبية، بغرض إخفاء أمر معين عن الغير. ينشأ عن ذلك مركزان قانونيان متعارضان للمتعاقدين:

  • التصرف الظاهر (الصوري): وهو الذي يعتقد الغير أنه الحقيقي، رغم كونه كاذباً.
  • التصرف المستتر (الحقيقي): وهو التصرف الفعلي الذي اتجهت إليه إرادة الطرفين، لكنه يبقى خفياً عن الغير.

وعادة ما يلجأ الطرفان إلى تحرير ما يُعرف بـ“ورقة الضد” (Counter-Letter) كوسيلة لإثبات التصرف المستتر فيما بينهما، وهي وثيقة موازية للعقد الظاهر تكشف حقيقة الاتفاق، ولا يطّلع عليها الغير عادة.

ملاحظة تطبيقية: يلتزم المشرّع الإماراتي بمنح الغير حسن النية حق التمسك بأيّ من العقدين — الظاهر أو المستتر — أيهما يحقق مصلحته، بينما لا يملك المتعاقدان الصوريّان نفسا هذا الخيار في مواجهة بعضهما البعض؛ إذ يحكمهما العقد المستتر وحده.

٢. أنواع الصورية وصورها التطبيقية

تتعدد صور الصورية بحسب الجانب الذي ينصبّ عليه الإخفاء: نوع العقد ذاته، أو شرط فيه، أو شخص أحد أطرافه.

نوع الصورية محل الإخفاء مثال في سياق الشركات
الصورية المطلقة إخفاء وجود التصرف بالكامل؛ لا يوجد عقد حقيقي أصلاً خلف الظاهر تأسيس شركة صورية لا نية جادة للشراكة فيها، بغرض تهريب أصول من الدائنين
الصورية النسبية (في نوع العقد) الإرادة الحقيقية تتجه لعقد مختلف عن الذي يظهر للغير عقد شراكة يُخفي في حقيقته عقد قرض مضمون بحصة في الشركة
الصورية بطريق المضادة لا تنصبّ على نوع العقد، بل على ركن أو شرط فيه (كالثمن أو نسبة الحصص) عقد تأسيس يُظهر نسب مساهمة تخالف ورقة الضد المتفق عليها فعلياً بين الشركاء
الصورية بطريق التسخير تنصبّ على شخص أحد المتعاقدين، بهدف تجاوز مانع قانوني يحول دون التعاقد المباشر إدراج شريك بصفته الاسمية فقط لاستيفاء شرط تنظيمي أو ترخيصي، دون أن يكون له نصيب حقيقي في رأس المال أو الإدارة

٣. الأساس القانوني في التشريع الإماراتي

لم يورد المشرّع الإماراتي تعريفاً جامعاً للصورية، لا في قانون المعاملات المدنية الاتحادي رقم (5) لسنة 1985 ولا في تشريعات الشركات، واكتفى بمعالجة أحكامها وآثارها. فقد نصّت المادة (394) من قانون المعاملات المدنية على أنه:

“١. إذا أُبرم عقد صوري، فلدائني المتعاقدين وللخلف الخاص، متى كانوا حسني النية، أن يتمسكوا بالعقد الصوري، كما أن لهم أن يتمسكوا بالعقد المستتر، ويُثبتوا بجميع الوسائل صورية العقد الذي أضرّ بهم.

٢. وإذا تعارضت مصالح ذوي الشأن، فتمسّك بعضهم بالعقد الظاهر وتمسّك الآخرون بالعقد المستتر، كانت الأفضلية للأولين.”

وتُكمِل المادة (395) هذا الإطار بتحديد الحكم بين المتعاقدين أنفسهم والخلف العام، إذ تقضي بأنه إذا ستر المتعاقدان عقداً حقيقياً بعقد ظاهر، فإن العقد النافذ بينهما وبين الخلف العام هو العقد الحقيقي (المستتر) لا الظاهر.

تحديث تشريعي مهم: ورد في المصدر الأصلي المرجعية إلى قانون الشركات التجارية رقم (2) لسنة 2015، وقد حلّ محله المرسوم بقانون اتحادي رقم (32) لسنة 2021 بشأن الشركات التجارية (المعدَّل بالمرسوم بقانون اتحادي رقم (20) لسنة 2025). عند تحليل أي واقعة صورية في هيكل شركة قائمة، يجب الرجوع إلى النسخة النافذة حالياً من قانون الشركات التجارية، إلى جانب قانون المعاملات المدنية.

٤. خصوصية الصورية في عقد الشركة

يتميّز عقد الشركة عن سائر العقود بأثر جوهري: فإذا توافرت أركانه الشكلية والموضوعية، انعقد صحيحاً ورتّب ولادة كيان معنوي مستقل يتمتع بشخصية قانونية متميزة عن ذمم الشركاء، قادر على ممارسة الأدوار ذاتها التي يمارسها الشخص الطبيعي في الحياة القانونية. وهذا الاستقلال الذاتي يجعل لصورية عقد الشركة أبعاداً تتجاوز أثر الصورية في العقود الثنائية المعتادة، إذ تمتد آثارها إلى:

  • الشخصية الاعتبارية للشركة: هل تُهدر معها الشخصية المعنوية إذا ثبتت الصورية المطلقة في التأسيس؟
  • حقوق دائني الشركة: الذين تعاقدوا اعتماداً على المظهر الخارجي لرأس المال أو الشركاء المعلنين.
  • التصفية وقسمة الموجودات: عند انحلال الشركة، تُثار الصورية غالباً في مرحلة تحديد مستحقات كل شريك من صافي الموجودات بعد وفاء حقوق الغير.

٥. تمييز الصورية عن الاتفاق الإضافي

يشتبه مفهوم الصورية بمفهوم الاتفاق الإضافي، إذ يتكون كلاهما من عقدين يعدّل أحدهما الآخر أو ينقل آثاره. غير أن الفارق الجوهري بينهما حاسم في تحديد الأثر القانوني:

وجه المقارنة الصورية الاتفاق الإضافي
طبيعة الإرادة إرادة واحدة حقيقية منذ البداية، أُخفيت خلف عقد كاذب متزامن معها إرادتان حقيقيتان متعاقبتان زمنياً، كل منهما جادة وقت صدورها
العدد الفعلي للعقود الجادة عقد جادّ واحد فقط (المستتر) عقدان جادّان (الأصلي والمعدِّل)
النفاذ في مواجهة الغير يحكمها نظام خاص (تمسك بالظاهر أو المستتر بحسب حسن النية) تسري عليه القواعد العامة للعقود على المتعاقدين والغير سواء بسواء
مثال عقد تأسيس يُظهر نسبة حصص مغايرة للاتفاق الحقيقي بين الشركاء منذ اليوم الأول شركاء يتفقون لاحقاً على تعديل نسب الأرباح بعد سنتين من التأسيس الجادّ

٦. دراسات حالة توضيحية من قطاع المقاولات

فيما يلي ثلاث حالات افتراضية توضيحية، مبنية على أنماط متكررة في الممارسة العملية بقطاع الإنشاءات، وليست وقائع فعلية بعينها، أُعدّت لغرض شرح كيفية تطبيق القواعد أعلاه.

مثال توضيحي (١) — الصورية بطريق التسخير في ترتيبات الشريك المحلي

شركة مقاولات أجنبية ترغب في العمل على أرض البر الرئيسي قبل استيفاء متطلبات معينة، فتُدرج فرداً محلياً كشريك مالك لنسبة من رأس المال في السجل التجاري وعقد التأسيس (العقد الظاهر)، بينما يوقّع الطرفان اتفاقاً موازياً (ورقة الضد) يقرّ فيه الشريك المحلي بأنه لا يملك أي حصة فعلية في الأرباح أو الإدارة، وأن دوره صوري بحت.

التحليل: هذا نمط كلاسيكي للصورية بطريق التسخير. بين الطرفين، تحكم العلاقة ورقة الضد (العقد المستتر) عملاً بالمادة 395. أما تجاه دائني الشركة أو الغير حسن النية الذين تعاملوا اعتماداً على السجل التجاري الظاهر، فيحق لهم التمسك بالعقد الظاهر عملاً بالمادة 394. كما يُلاحظ أن مثل هذه الترتيبات قد تتقاطع مع ضوابط تنظيمية خاصة بالملكية والترخيص، وتستوجب مراجعة قانونية منفصلة عن مسألة الصورية المدنية البحتة.

مثال توضيحي (٢) — الصورية بطريق المضادة في نسب المساهمة بمشروع مشترك

يتفق مقاولان على تأسيس شركة مساهمة مشتركة (Joint Venture) لتنفيذ مشروع إنشائي كبير. يُظهر عقد التأسيس المسجَّل نسبة مساهمة متساوية (٥٠٪/٥٠٪)، بينما يتفق الطرفان فعلياً — بموجب اتفاقية شراكة داخلية غير مسجَّلة — على أن أحدهما يتحمّل ٧٠٪ من رأس المال ويستحق نسبة موازية من الأرباح والخسائر.

التحليل: هذه صورية نسبية منصبّة على شرط في العقد (نسبة المساهمة) دون أن تمسّ نوع العقد ذاته أو وجود الشراكة. عند نشوء نزاع حول توزيع الأرباح، يستطيع كل شريك التمسك بالاتفاقية الداخلية (العقد المستتر) في مواجهة الآخر، شريطة إثباتها بالكتابة أو بأي وسيلة إثبات مقبولة بينهما. أما جهة التعاقد الحكومية أو صاحب العمل الذي تعامل مع الشركة بناءً على النسب المعلنة، فقد يتمسك بالعقد الظاهر إذا كان حسن النية وتضرر من إخفاء النسب الحقيقية.

مثال توضيحي (٣) — الصورية المطلقة تحسباً لمطالبات الدائنين

مقاول يواجه مطالبات مالية جسيمة من مقاولين من الباطن نتيجة تعثر مشروع، فيُبرم عقد تأسيس شركة جديدة مع أحد أقاربه، وينقل إليها معدّات وأصولاً، دون أي نية جادة لممارسة نشاط مشترك حقيقي، بل بقصد وحيد هو إخراج الأصول من متناول الدائنين المحتملين.

التحليل: هذه صورية مطلقة، إذ لا يوجد عقد حقيقي خلف الظاهر على الإطلاق. يحق للدائنين المتضررين، عملاً بالمادة 394، إثبات الصورية بجميع طرق الإثبات (بخلاف المتعاقدين أنفسهم الذين يُشترط لإثباتها بينهما الكتابة أو ما يقوم مقامها)، والتمسك بانعدام أثر هذا التصرف في مواجهتهم، مع ما قد يقترن بذلك من مساءلة تتعلق بالإضرار بالدائنين أو الدعوى البوليصية بحسب وقائع كل حالة.

٧. إثبات الصورية: قاعدة مزدوجة

يميّز القضاء الإماراتي، تبعاً لنص المادة 394، بين مركزين في الإثبات:

  • بين المتعاقدين الصوريين أنفسهما: يخضع إثبات الصورية للقواعد العامة في الإثبات، وغالباً ما يُشترط وجود دليل كتابي (ورقة الضد) إذا تجاوزت قيمة التصرف النصاب القانوني المقرر للإثبات بالكتابة.
  • بالنسبة للغير حسن النية (الدائنون والخلف الخاص): يجوز لهم إثبات الصورية بجميع طرق الإثبات، بما في ذلك القرائن، نظراً لكونهم أجنبيين عن العقد ولا يملكون في الغالب دليلاً كتابياً مباشراً على حقيقة التصرف الذي أضرّ بهم.

٨. توصيات عملية لأطراف قطاع الإنشاءات

الخطر التوصية
نزاع لاحق حول نسب الحصص الحقيقية توثيق أي اتفاق داخلي مغاير لعقد التأسيس بشكل كتابي واضح، مع تحديد آلية فض النزاع بين الشركاء صراحة
تعرّض الغير حسن النية للضرر قبل التعاقد مع شركة مقاولات، مراجعة السجل التجاري وعقد التأسيس، مع تحرٍّ معقول عن وجود ترتيبات موازية قد تمسّ الملاءة المالية الظاهرة
مساءلة عند إثبات القصد بالإضرار بالدائنين تجنّب أي هيكلة تهدف إلى تهريب أصول الشركة أثناء وجود مطالبات قائمة أو متوقعة؛ استشارة قانونية متخصصة قبل أي إعادة هيكلة في ظروف مالية صعبة
تنازع الأولوية عند التصفية عند تصفية شركة يشوبها شكّ في الصورية، حصر مطالبات الدائنين وذوي الشأن مبكراً، وتحديد من تمسّك بالعقد الظاهر ومن تمسّك بالمستتر تطبيقاً لقاعدة الأفضلية في المادة 394/2

خاتمة

تظلّ الصورية في عقد الشركة من أكثر المسائل تعقيداً في الممارسة القانونية الإماراتية، نظراً لتداخلها مع الاستقلال الذاتي للشخصية المعنوية للشركة من جهة، وحماية الغير حسن النية من جهة أخرى. وتزداد هذه الحساسية في قطاع الإنشاءات والمقاولات، حيث تتشابك هياكل الشركات المشتركة، وترتيبات الشراكة المحلية، والمصالح المالية الكبيرة للمقاولين من الباطن والممولين والجهات المالكة.

إن فهم الحدود الدقيقة بين الصورية المشروعة الأثر (بين طرفيها) والصورية المضرّة بالغير، وبين الصورية والاتفاق الإضافي الجادّ، يُعدّ ركيزة أساسية لأي استشاري هندسي أو خبير أو محكّم يتعامل مع منازعات الشراكات في قطاع البناء.

ملاحظة مهنية

هذا المقال يقدّم إطاراً عاماً لفهم أحكام الصورية في القانون الإماراتي، ولا يُغني عن استشارة قانونية متخصصة من محامٍ مرخّص في الدولة بشأن أي واقعة بعينها. الأمثلة التوضيحية الواردة أعلاه افتراضية بالكامل، أُعدّت لأغراض الشرح فقط ولا تُمثّل وقائع قضية حقيقية أو رأياً في نزاع قائم.

Permanent link to this article: https://www.e-basel.com/%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a/%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%88%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d9%82%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d9%83%d8%a9/