التنازل عن اتفاقية التحكيم
الصريح والضمني في القانون الإماراتي
دراسة في التنازل الصريح والضمني عن شرط التحكيم في ضوء القانون الإماراتي والقضاء المقارن — سلطان الإرادة، مفهوم التنازل وصوره وشروطه، موقف القضاء الفرنسي والإماراتي، حكم محكمة النقض دبي رقم 215/2019، وأثر امتناع الطرف عن دفع تكاليف التحكيم.
يُعدّ التحكيم من أهم الوسائل البديلة لفض المنازعات التجارية والهندسية والعقارية، ويستند في وجوده إلى مبدأ قانوني جوهري يتمثل في “سلطان الإرادة” — أي أن إرادة الأطراف هي الأساس الذي يُنشئ التحكيم ويحدد نطاقه وإجراءاته وآثاره القانونية. وبما أن التحكيم ينشأ باتفاق الأطراف، فإن هذا الاتفاق ذاته قد يكون محلاً للتنازل أو الإلغاء أو العدول عنه سواء بصورة صريحة أو ضمنية.
ويُعتبر موضوع التنازل عن اتفاقية التحكيم من الموضوعات القانونية الدقيقة والمهمة في مجال التحكيم التجاري، لما يترتب عليه من آثار مباشرة تتعلق بالاختصاص القضائي، ومدى التزام الأطراف بشرط التحكيم، وإمكانية العودة إلى القضاء الوطني للفصل في النزاع. وقد حظي هذا الموضوع باهتمام واسع في الفقه والقضاء، خاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة، نظراً للتوسع الكبير في استخدام التحكيم في العقود التجارية والهندسية وعقود المقاولات والاستثمار والعقارات.
الشرط الذي يُدرَج داخل العقد الأصلي قبل نشوء النزاع، وينص على إحالة أي نزاع مستقبلي إلى التحكيم. وهو بند أساسي من بنود العقد يُلزم الأطراف باللجوء إليه عند أي خلاف مستقبلي.
اتفاق مستقل يتم بعد نشوء النزاع يتفق فيه الأطراف على إحالة النزاع القائم إلى التحكيم. يُعتبر اتفاق التحكيم ملزماً للأطراف متى استوفى: الكتابة، أهلية الأطراف، وضوح الإرادة، وقابلية النزاع للتحكيم.
من يملك إنشاء الحق يملك التنازل عنه. لذلك فإن اتفاق التحكيم ليس من النظام العام في معظم التشريعات الحديثة — بل هو حق مقرر لمصلحة الخصوم، ويجوز لهم التمسك به أو التنازل عنه. وبالتالي، فإن التحكيم استثناء على الأصل العام المتمثل في اختصاص القضاء، وإذا زال الاتفاق أو تم التنازل عنه عاد الاختصاص للقضاء الطبيعي.
صلاحيات الأطراف في إطار مبدأ سلطان الإرادة
يقوم التحكيم أساساً على مبدأ سلطان الإرادة — بمعنى أن الأطراف يملكون بإرادتهم الحرة المطلقة إنشاء اتفاق التحكيم وتحديد نطاقه واختيار المحكمين وتحديد القانون الواجب التطبيق وتحديد الإجراءات وحتى التنازل عنه لاحقاً. فلا يجوز للمحكمة أن تُثير الدفع بشرط التحكيم من تلقاء نفسها.
تحديد نطاقه
اختيار المحكمين
القانون الواجب التطبيق
تحديد الإجراءات
التنازل عنه لاحقاً
اتفاق واضح ومباشر بين الأطراف يقضي بعدم تطبيق شرط التحكيم أو العدول عنه واللجوء إلى القضاء. يُعتبر أوضح صور التخلي عن التحكيم وأكثرها استقراراً من الناحية القانونية.
- توقيع اتفاق جديد يلغي شرط التحكيم
- تعديل العقد الأصلي واستبعاد بند التحكيم
- تبادل رسائل رسمية تتضمن التخلي
- توقيع محاضر اجتماعات تنص على المحاكم
- الاتفاق أثناء النزاع على عدم السير بالتحكيم
- مكتوب — عقد / مراسلات / بريد إلكتروني / محاضر
- صادر من جميع الأطراف — لا يكفي طرف واحد
- واضح الإرادة — لا يقبل الغموض أو التأويل
صور التنازل الضمني — تصرفات تُعدّ تخلياً عن التحكيم
| التصرف الإجرائي | هل يُعدّ تنازلاً ضمنياً؟ | الأساس القانوني |
|---|---|---|
| رفع الدعوى أمام المحكمة مع وجود شرط تحكيم | يُعدّ تنازلاً | اللجوء الاختياري للقضاء |
| عدم الدفع بشرط التحكيم في أول جلسة | يُعدّ تنازلاً | سقوط الحق بالتقادم الإجرائي |
| تقديم دفوع موضوعية قبل إثارة التحكيم | يُعدّ تنازلاً | الخوض في موضوع الدعوى |
| تقديم مذكرات دفاع وطلب ندب خبير | يُعدّ تنازلاً | الاستمرار في إجراءات التقاضي |
| مناقشة الموضوع وتقديم طلبات عارضة | يُعدّ تنازلاً | قبول ضمني باختصاص المحكمة |
| الدفع بالتحكيم بعد مناقشة الموضوع | متأخر — مرفوض | منع التناقض في المواقف القانونية |
| إثارة التحكيم فور تقديم الدعوى دون مناقشة | ليس تنازلاً | التمسك في الوقت المناسب |
🇫🇷 القضاء الفرنسي — المرحلة الأولى (الطبيعة المطلقة)
في البداية اعتبر القضاء الفرنسي أن وجود اتفاق التحكيم وحده يكفي، وعلى القاضي أن يقضي بعدم اختصاصه من تلقاء نفسه حتى لو لم يتمسك الأطراف بشرط التحكيم.
هذا الاتجاه عامل التحكيم باعتباره مسألة من النظام العام تختص المحكمة بإثارتها دون انتظار الطرف.
🇫🇷 القضاء الفرنسي — المرحلة الثانية (الطبيعة النسبية)
تراجع القضاء الفرنسي عن هذا الاتجاه واعتبر أن الدفع بالتحكيم ليس من النظام العام، ولا يجوز للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها — بل يجب أن يتمسك به أحد الأطراف.
وإذا لم يتمسك به في الوقت المناسب اعتُبر متنازلاً عنه. هذا الاتجاه هو السائد اليوم في الفقه والقضاء المقارن.
المبادئ الراسخة في القضاء الإماراتي وقانون التحكيم رقم 6/2018
استقر القضاء الإماراتي على أن الدفع بوجود شرط التحكيم ليس من النظام العام، ويجوز التنازل عنه صراحةً أو ضمناً، ويسقط الحق فيه إذا تم التعرض لموضوع الدعوى.
وقد أكدت المحاكم الإماراتية أن التمسك بشرط التحكيم يجب أن يتم في أول جلسة وإلا سقط الحق فيه. كما أكد قانون التحكيم الاتحادي رقم 6 لسنة 2018 أن الدفع بعدم اختصاص المحكمة لوجود شرط تحكيم يجب أن يُثار قبل أي طلب أو دفاع في الموضوع — وإلا سقط الحق فيه.
يسقط بالتعرض للموضوع
أول جلسة — وإلا سقط
قانون 6/2018
قبل أي دفاع في الموضوع
حكم مهم — صحة شرط التحكيم الموقع من مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة
أيّدت محكمة النقض في دبي حكماً يقضي بصحة شرط التحكيم الموقَّع من مدير شركة ذات مسؤولية محدودة، وأكدت المحكمة المبادئ الآتية:
- مدير الشركة هو ممثلها القانوني الكامل الصلاحيات
- له سلطة الموافقة على شرط التحكيم ما لم يكن عقد التأسيس يُقيّد هذه الصلاحية صراحةً
- الحكم يعزز استقرار المعاملات التجارية ويؤكد قابلية تنفيذ شروط التحكيم
- يحدّ من محاولات التهرب من التحكيم بحجة عدم الصلاحية أو عدم كفاية التوكيل
حكم محكمة النقض دبي — أثر إغلاق ملف التحكيم بسبب عدم دفع السلفة
في حكم لمحكمة النقض في دبي رقم 215/2019 تجاري، طرحت إشكالية عملية مهمة تتعلق بامتناع أحد الأطراف عن دفع سلفة تكاليف التحكيم. وقد أسفر ذلك عن:
- إغلاق ملف التحكيم من قبل المركز بسبب عدم دفع السلفة
- اعتبار المركز المطالبات مسحوبة
- عند اللجوء للمحاكم — اعتبرت المحكمة أن شرط التحكيم أصبح غير منتج لأثره
- أكدت المحكمة أن القضاء يملك الاختصاص الأصلي
- وأن تعطّل إجراءات التحكيم قد يؤدي عملياً إلى زوال أثر شرط التحكيم
الإشكالية العملية: المدعي أمام خيارَين — دفع حصة الطرف الآخر للاستمرار في التحكيم رغم العبء المالي، أو التوقف واللجوء للقضاء مع مخاطر إشكاليات الاختصاص.
تصبح المحاكم الوطنية مختصة بنظر النزاع بمجرد التنازل عن اتفاق التحكيم — سواء كان التنازل صريحاً أو ضمنياً. ويُعدّ هذا الأثر الأهم والأكثر مباشرة للتنازل.
لا يجوز للطرف العودة لاحقاً للتمسك بشرط التحكيم بعد التنازل عنه — سواء صراحةً أو بالتصرفات الإجرائية. وأي محاولة للعودة للتحكيم بعد التنازل تُرفض قانوناً.
يمنع التنازل تعطيل الدعوى بدفوع متأخرة، ويحمي حسن النية ويمنح الاستقرار للعلاقات القانونية. مما يخدم مبادئ العدالة الإجرائية واستقرار المراكز القانونية للأطراف.
كيف يسقط الحق في التحكيم ضمنياً خلال إجراءات التقاضي
يُعتبر التنازل عن اتفاقية التحكيم من الموضوعات الجوهرية في قانون التحكيم، لما يترتب عليه من آثار مباشرة على الاختصاص القضائي ومصير النزاع. وقد استقر الفقه والقضاء في دولة الإمارات على أن الدفع بشرط التحكيم ليس من النظام العام، وأن التمسك به يجب أن يتم في الوقت المناسب — وإلا عُدّ ذلك تنازلاً ضمنياً. ومن هنا تبرز أهمية الصياغة الاحترافية لشروط التحكيم والإدارة القانونية السليمة للنزاعات وفهم الآثار القانونية للتصرفات الإجرائية.
هل تواجه خلافاً حول شرط التحكيم في عقدك؟
نُقدّم استشارات متخصصة في قانون التحكيم الإماراتي وتحليل شروط التحكيم وإدارة الدفوع الإجرائية أمام المحاكم ومراكز التحكيم — لحماية حقوقك والتمسك بها في الوقت المناسب.