Return to مقالات بالعربي

التصميم المستدام و العمارة الخضراء

التصميم المستدام و العمارة الخضراء

التنمية الاقتصادية ومفهوم التنمية المستدامة

التصميم المستدام والعمارة الخضراء

التصميم المستدام والعمارة الخضراء

بدأ العالم يعترف بالارتباط الوثيق بين التنمية الاقتصادية والبيئة، وقد تنبه المتخصصون إلى أن الأشكال التقليدية للتنمية الاقتصادية تنحصر على الاستغلال الجائر للموارد الطبيعية وفي نفس الوقت تتسبب في إحداث ضغط آبير على البيئة نتيجة لما تفرزه من ملوثات ومخلفات ضارة.

التي تُعرّف على (Sustainable Development) ومن هنا ظهر مفهوم التنمية المستدامة أنها “تلبية احتياجات الأجيال الحالية دون الإضرار بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها”.

وقد أولت معظم دول العالم في العقد الأخير من القرن المنصرم عناية خاصة واهتماماً واسعاً بمواضيع حماية البيئة والتنمية المستدامة، ولم يولد هذا الاهتمام من فراغ فقد تعالت الأصوات البيئية المنادية بتقليل الآثار البيئية الناجمة عن الأنشطة البشرية المختلفة ونادت بخفض المخلفات والملوثات والحفاظ على قاعدة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. ونتيجة لذلك فإن القطاعات العمرانية في هذا العصر لم تعد بمعزل عن القضايا البيئية الملحة التي بدأت تهدد العالم وتم التنبه لها في السنوات القلائل الأخيرة، فهذه القطاعات من جهة تعتبر أحد المستهلكين الرئيسيين للموارد الطبيعية آالأرض والمواد والمياه والطاقة، ومن جهة أخرى فإن عمليات صناعة البناء والتشييد الكثيرة والمعقدة ينتج عنها آميات آبيرة من الضجيج والتلوث والمخلفات الصلبة.

وتبقى مشكلة هدر الطاقة والمياه من أبرز المشاآل البيئية-الاقتصادية للمباني بسبب استمرارها

وديمومتها طوال فترة تشغيل المبنى .ولهذه الأسباب وغيرها ونتيجة لتنامي الوعي العام تجاه

الآثار البيئية المصاحبة لأنشطة البناء فقد نوه بعض المتخصصين أن التحدي الأساسي الذي

يواجه القطاعات العمرانية في هذا الوقت إنما يتمثل في مقدرتها على الإيفاء بالتزاماتها وأداء

دورها التنموي تجاه تحقيق مفاهيم التنمية المستدامة الشاملة، وأضاف آخرون بأن الإدارة

والسيطرة البيئية على المشاريع العمرانية ستكون واحدة من أهم المعايير التنافسية الهامة في هذه

القطاعات في القرن الواحد والعشرين. من هنا نشأت في الدول الصناعية المتقدمة مفاهيم

وأساليب جديدة لم تكن مألوفة من قبل في تصميم وتنفيذ المشاريع، ومن هذه المفاهيم “التصميم

المستدام” و”العمارة الخضراء” و”المباني المستدامة”، هذه المفاهيم جميعها تعكس الاهتمام

المتنامي لدى القطاعات العمرانية بقضايا التنمية الاقتصادية في ظل حماية البيئة، وخفض

استهلاك الطاقة، والاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية، والاعتماد بشكل أآبر على مصادر الطاقة

(Renewable Sources). المتجددة

مفاهيم الاستدامة والعمارة الخضراء في القطاع العمراني:

التصميم المستدام .. العمارة الخضراء .. الإنشاءات المستدامة .. البناء الأخضر .. هذه المفاهيم

جميعها ما هي إلا طرق وأساليب جديدة للتصميم والتشييد تستحضر التحديات البيئية والاقتصادية

التي ألقت بظلالها على مختلف القطاعات في هذا العصر، فالمباني الجديدة يتم تصميمها وتنفيذها

وتشغيلها بأساليب وتقنيات متطورة تسهم في تقليل الأثر البيئي، وفي نفس الوقت تقود إلى خفض

آما أنها ، (Running Costs) التكاليف وعلى وجه الخصوص تكاليف التشغيل والصيانة

تسهم في توفير بيئة عمرانية آمنة ومريحة. وهكذا فإن بواعث تبني مفهوم الاستدامة في

القطاع العمراني لا تختلف عن البواعث التي أدت إلى ظهور وتبني مفهوم التنمية المستدامة

بأبعادها البيئية والاقتصادية والاجتماعية المتداخلة. (Sustainable Development)

لم تعد هناك خطوط فاصلة بين البيئة والاقتصاد منذ ظهور وانتشار مفهوم التنمية المستدامة الذي

أآد بما لا يدع مجالاً للشك أن ضمان استمرارية النمو الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق في ظل

تهديد البيئة بالملوثات والمخلفات وتدمير أنظمتها الحيوية واستنزاف مواردها الطبيعية. والعمارة

المستدامة الخضراء تعزز وتتبنى هذا الارتباط الوثيق بين البيئة والاقتصاد، والسبب في ذلك أن

تأثيرات الأنشطة العمرانية والمباني على البيئة لها أبعاد اقتصادية واضحة والعكس صحيح،

فاستهلاك الطاقة الذي يتسبب في ارتفاع فاتورة الكهرباء له ارتباط وثيق بظاهرة المباني

التي تنشأ من الاعتماد بشكل أآبر على أجهزة التكييف (Sick Buildings) المريضة

الاصطناعية مع إهمال التهوية الطبيعية، وهذا الكلام ينسحب على الاعتماد بشكل أوحد على

الإضاءة الاصطناعية لإنارة المبنى من الداخل مما يقود إلى زيادة فاتورة الكهرباء وفي نفس

الوقت يقلل من الفوائد البيئية والصحية فيما لو آانت أشعة الشمس تدخل في بعض الأوقات إلى

داخل المبنى. فقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن التعرض للإضاءة الاصطناعية لفترات طويلة يتسبب

في حدوث أضرار جسيمة على صحة الإنسان على المستويين النفسي والبدني. وتعد عملية

التعرض للذبذبات الضوئية الصادرة عن مصابيح الإنارة) الفلورسنت) والافتقاد للإضاءة

الطبيعية من أهم الآثار السلبية التي تعاني منها بيئة العمل المكتبي، فقد ظهرت نتيجة لذلك

شكاوى عديدة من المستخدمين في بعض الدول الصناعية المتقدمة تضمنت الإحساس بالإجهاد

الجسدي والإعياء والصداع الشديد والأرق .آما أن الإضاءة الصناعية الشديدة تعتبر في مقدمة

الأسباب المرجحة لأعراض الكآبة في بيئات العمل. أما الهدر في مواد البناء أثناء تنفيذ المشروع

فهو يتسبب في تكاليف إضافية ويقود في نفس الوقت إلى تلويث البيئة بهذه المخلفات التي تنطوي

على نسب غير قليلة من المواد السمية والكيميائية الضارة. وهكذا فإن الحلول والمعالجات البيئية

التي تقدمها العمارة المستدامة الخضراء تقود في نفس الوقت لتحقيق فوائد اقتصادية لا حصر لها

على مستوى الفرد والمجتمع .

حسب بعض التقديرات فإن صناعات البناء على مستوى العالم تستهلك حوالي ( 40 %) من

ويقدر هذا الاستهلاك بحوالي ( 3 مليارات) من (Raw Materials) إجمالي المواد الأولية

الأطنان سنوياً. في الولايات المتحدة الأمريكية تستهلك المباني وحدها ( 65 %) من إجمالي

الاستهلاك الكلي للطاقة بجميع أنواعها، وتتسبب في ( 30 %) من إنبعاثات البيت الزجاجي. إن

أهمية دمج ممارسات وتطبيقات العمارة المستدامة الخضراء جلية وواضحة، حيث يشير

في آتابه “العمارة الخضراء” إلى أن المباني تستهلك (James Wines) المعماري جيمس واينز

سُدس إمدادات الماء العذب في العالم، وربع إنتاج الخشب، وخُمسين الوقود والمواد المصنعة.

وفي نفس الوقت تنتج نصف غازات البيت الزجاجي الضارة، ويضيف بأن مساحة البيئة المشيدة

40 سنة – في العالم ستتضاعف خلال فترة وجيزة جداً تتراوح بين 20 (built environment)

قادمة .وهذه الحقائق تجعل من عمليات إنشاء وتشغيل المباني العمرانية واحدة من أآثر

الصناعات استهلاآاً للطاقة والموارد في العالم. آما أن التلوث الناتج عن عدم آفاءة المباني

والمخلفات الصادرة عنها هي في الأصل ناتجة عن التصميم السيئ للمباني، فالملوثات والمخلفات

لطريقة تصميم (by-products) التي تلحق أضراراً آبيرة بالبيئة ليست سوى نواتج عرضية

غير (bio-systems) مبانينا وتشييدها وتشغيلها وصيانتها، وعندما تصبح الأنظمة الحيوية

صحية نتيجة لهذه الملوثات فإن ذلك يعني وجود بيئة غير آمنة للمستخدمين.

إن التكلفة العالية للطاقة والمخاوف البيئية والقلق العام حول ظاهرة “المباني المريضة” المقترنة

بالمباني الصندوقية المغلقة في فترة السبعينات، جميعها ساعدت على إحداث قفزة البداية لحرآة

العمارة المستدامة الخضراء .أما في الوقت الحاضر فإن “الاقتصاد” هو الباعث الرئيس على

(Michael التحول والتوجه نحو التصاميم والمباني الأآثر خضرة. المعماري مايكل آروزبي

يشير في هذا الصدد إلى (Steven Winter Associates) الذي يعمل في مكتب Crosbie)

“أن زبائنه الراغبين في تصميم مباني خضراء أآثر بكثير من الطلب، لأنهم يرون ويدرآون

الكمية الهائلة من الأموال التي يتم إنفاقها في سبيل الحصول على شيء ما مبني، وبالتالي فهم

يريدون عائداً استثماريا مجزياً لذلك.”

المؤيدون للعمارة المستدامة الخضراء يراهنون على المنافع والفوائد الكثيرة لهذا الاتجاه. في

(Green حالة مبنى إداري آبير – على سبيل المثال – فإن إدماج أساليب التصميم الخضراء

في المبنى لا يعمل فقط (Clever Technology) والتقنيات الذآية Design Techniques)

على خفض استهلاك الطاقة وتقليل الأثر البيئي، ولكنه أيضاً يقلل من تكاليف الإنشاء وتكاليف

الصيانة، ويخلق بيئة عمل سارة ومريحة، ويحسّن من صحة المستخدمين ويرفع من معدلات

إنتاجيتهم، آما أنه يقلل من المسئولية القانونية التي قد تنشأ بسبب أمرض المباني، ويرفع من قيمة

ملكية المبنى وعائدات الإيجار.

وهكذا فإن التيار الأخضر في قطاع البناء يعمل على توفير تكاليف الطاقة على المدى الطويل،

ففي مسح ميداني أجري على ( 99 مبنى) من المباني الخضراء في الولايات المتحدة وجد أنها

تستهلك طاقة أقل بنسبة ( 30 %) مقارنة مع المباني التقليدية المماثلة. لذا فإن أي تكاليف إضافية

يتم دفعها في مرحلتي التصميم والبناء يمكن استعادتها بسرعة. وبالمقارنة بذلك فإن الإفراط في

النظرة التقليدية لمحاولة تقليل تكاليف البناء الأولية يمكن أن يؤدي إلى مواد مهدرة وفواتير طاقة

أعلى بصورة مستمرة.

ولكن فوائد المباني الخضراء ليست مقصورة فقط على الجوانب البيئية والاقتصادية المباشرة،

فاستعمال ضوء النهار الطبيعي في عمارات المكاتب – على سبيل المثال – بالإضافة إلى أنه

يقلل من تكاليف الطاقة التشغيلية فهو أيضاً يجعل العاملين أكثر إنتاجاً، فقد وجدت الدراسة التي

(Rachel and Stephen أجراها المتخصصان في علم النفس البيئي بجامعة ميتشيغان

أن الموظفين الذين تتوفر لهم إطلالة على مناطق طبيعية من مكاتبهم أظهروا رضى Kaplan)

أآبر تجاه العمل، وآانوا أقل إجهادا وتعرضهم للأمراض آان أقل. أيضاً إحدى الشرآات العاملة

تبين لها أن نسبة الغياب هبطت بنسبة ( 15 %) بعد أن (Lockheed Martin) في مجال الفضاء

قامت بنقل ( 2.500 موظف (إلى مبنى أخضر منشأ حديثاً في آاليفورنيا، والمردود الاقتصادي

لهذ الزيادة في معدل الإنتاجية عوض المبالغ الإضافية التي أنفقت أثناء تشييد المبنى خلال عام

واحد فقط .وعلى نفس المنوال، فإن استعمال ضوء النهار الطبيعي في مراآز التسوق يؤدي إلى

رفع حجم المبيعات، فالمجموعة الاستشارية المتخصصة في تقنيات المباني ذات الكفاءة في

ومقرها آاليفورنيا، وجدت أن المبيعات آانت أعلى بنسبة (Heschong Mahone) الطاقة

وقد (Skylights). 40% )في المخازن التسويقية التي تمت اضائتها من خلال فتحات السقف )

وجدت المجموعة أيضاً أن أداء الطلاب في قاعات الدرس المضاءة طبيعياً أفضل بنسبة

(20%).

معايير بيئية جديدة للبناء:

حماس اليوم للعمارة الخضراء والمباني المستدامة له أصوله المرتبطة بأزمة الطاقة في

السبعينات، فقد بدأ المعماريون آنذاك يفكرون ويتساءلون عن الحكمة من وجود مباني صندوقية

محاطة بالزجاج والفولاذ وتتطلب تدفئة هائلة وأنظمة تبريد مكلفة، ومن هناك تعالت أصوات

المعماريين المتحمسين الذين اقترحوا العمارة الأآثر آفاءة في استهلاك الطاقة ومنهم: وليام

ماآدونو، بروس فول وروبرت فوآس من الولايات المتحدة، توماس هيرزوج من ألمانيا،

ونورمان فوستر وريتشارد روجرز من بريطانيا. هؤلاء المعماريون أصحاب الفكر التقدمي

بدأوا باستكشاف وبلورة التصاميم المعمارية التي رآزت على التأثير البيئي طويل المدى أثناء

” (Initial Costs) تشغيل وصيانة المباني، وآانوا ينظرون لما هو أبعد من هم “التكاليف الأولية

للبناء. هذه النظرة ومنذ ذلك الحين تأصلت في بعض أنظمة تقييم المباني مثل معيار

الذي تم تطبيقه في بريطانيا في العام 1990 م. ومعايير رئاسة الطاقة والتصميم (BREEAM)

(Leadership in Energy في الولايات المتحدة الأمريكية وهي اختصار ل (LEED) البيئي

وهذه المعيار الأخير تم تطويره بواسطة المجلس الأمريكي ،and Environmental Design)

وتم البدء بتطبيقه في العام 2000 م .والآن يتم منح شهادة ، (USGBC) للبناء الأخضر

للمشاريع المتميزة في تطبيقات العمارة المستدامة الخضراء في الولايات المتحدة (LEED)

تهدف إلى إنتاج بيئة مشيدة أآثر خضرة، ومباني ذات أداء (LEED) الأمريكية. إن معايير

اقتصادي أفضل، وهذه المعايير التي يتم تزويد المعماريين والمهندسين والمطورين والمستثمرين

بها تتكون من قائمة بسيطة من المعايير المستخدمة في الحكم على مدى التزام المبنى بالضوابط

الخضراء، ووفقاً لهذه المعايير يتم منح نقاط للمبنى في جوانب مختلفة، فكفاءة استهلاك الطاقة في

المبنى تمنح في حدود ( 17 نقطة)، وآفاءة استخدام المياه تمنح في حدود ( 5 نقاط)، في حين تصل

نقاط جودة وسلامة البيئة الداخلية في المبنى إلى حدود ( 15 نقطة)، أما النقاط الإضافية فيمكن

اآتسابها عند إضافة مزايا محددة للمبنى مثل: مولدات الطاقة المتجددة، أو أنظمة مراقبة غاز

ثاني أآسيد الكربون. وبعد تقدير النقاط لكل جانب من قبل اللجنة المعنية يتم حساب مجموع

وتصنيفها للمبنى المقصود، فالمبنى الذي يحقق مجموع نقاط (LEED) النقاط الذي يعكس تقدير

يبلغ ( 39 نقطة) يحصل على تصنيف (ذهبي)، وهذا التصنيف يعني أن المبنى يخفض التأثيرات

على البيئة بنسبة ( 50 %) على الأقل مقارنة بمبنى تقليدي مماثل له، أما المبنى الذي يحقق

مجموع نقاط يبلغ ( 52 نقطة) فيحوز على تصنيف) بلاتيني)، وهذا التصنيف يعني أن المبنى

يحقق خفض في التأثيرات البيئية بنسبة ( 70 (%على الأقل مقارنة بمبنى تقليدي مماثل.

إن تقييم المباني بمثل هذه الطريقة يمكن أن يكشف لنا عدد المباني التقليدية التي لا تتمتع بالكفاءة

وبالتالي نتعرف على أسباب ذلك في ثنايا الأساليب المتبعة في (Inefficient Buildings)

وهو معماري (Phillip Bernstein) تصميمها وتشييدها وتشغيلها. يقول فيليب بيرنشتاين

متحدثاً عن مشكلة المباني التي تفتقر إلى الكفاءة: “.. هي ليست فقط (Yale) وأستاذ في جامعة

استخدام الطاقة، ولكنها استخدام المواد، وهدر المياه، والإستراتيجيات غير الكفوئة التي نتبعها

لاختيار الأنظمة الفرعية لمبانينا .. إنها لشيء مخيف”. وقد أرجع المعماري بيرنشتاين عدم

الكفاءة في المباني إلى ما أسماه (التمزق أو التجزيء) في أعمال البناء، حيث يرى بأن

المعماريين والمهندسين والمطورين ومقاولي البناء آل منهم يتبنى قرارات تخدم مصالحه

الخاصة فقط، وبالتالي يحدث عجز ضخم وانعدام آلي للجودة والكفاءة في المبنى بشكل عام .

أمثلة عالمية خضراء:

عند التمعن في أوضاعنا البيئية الصارمة ومواردنا المحدودة ندرك بأن حاجتنا إلى تطبيقات

العمارة الخضراء والإنشاءات المستدامة أآثر من الدول الصناعية المتقدمة. وإذا آانت آميات

أشعة الشمس وحرارتها ووهجها في منطقتنا من أعلى المعدلات في العالم فإن هذا يعني وجود

فرص ذهبية لتوظيفها آمصدر بديل لإنتاج الطاقة، بالإضافة إلى استغلالها في إضاءة المباني

والمنشآت خلال ساعات النهار. ومع ذلك فنحن نسمع عن مباني منشأة في بعض البلدان التي

تغيب عنها الشمس لأيام طويلة في السنة، وهذه المباني تعتمد بشكل أساسي في الإضاءة الداخلية

على ضوء النهار الطبيعي حيث توفر نصف آمية الطاقة المستهلكة في الإضاءة، بينما نرى

مبانينا التي تقبع تحت الشمس الحارقة والوهج الضوئي القوي مظلمة ومعتمة من الداخل وتعتمد

فقط على الإضاءة الاصطناعية التي تضيف أعباء اقتصادية إلى فاتورة الكهرباء، بل إن تلك

الدول قطعت أشواطاً متقدمة في تطبيقات استغلال الطاقة الشمسية آمصدر بديل للطاقة في

المباني، بالإضافة إلى استغلال الرياح وشلالات المياه في إنتاج الطاقة.

يوجد في الدول الصناعية الكثير من المباني الكبرى التي تجسد مفهوم العمارة المستدامة

المكون من (Conde Nast) الخضراء التي تقلل من التأثيرات على البيئة، ومنها مبنى برج

48 طابقاً) في ساحة التايمز في نيويورك، وهو مصمم بواسطة) فوآس وفول معماريون). إنه )

يعد أحد الأمثلة المبكرة التي طبقت مبادئ العمارة المستدامة الخضراء في مبنى حضري آبير،

وقد استعملت فيه تقريباً جميع التقنيات التي يمكن تخيلها لتوفير الطاقة. فقد استخدم المبنى نوعية

خاصة من الزجاج تسمح بدخول ضوء الشمس الطبيعي وتبقي الحرارة والأشعة فوق البنفسجية

خارج المبنى، وتقلل من فقدان الحرارة الداخلية أثناء الشتاء. وهناك أيضاً خليتان تعملان على

وقود الغاز الطبيعي تزودان المبنى ب ( 400 آيلو واط) من الطاقة، وهو ما يكفي لتغذية المبنى

بكل آمية الكهرباء التي يحتاجها ليلاً، بالإضافة إلى ( 5%) من آمية الكهرباء التي يحتاجها

نهاراً. أما عادم الماء الحار فقد أنتج بواسطة خلايا الوقود المستخدمة للمساعدة على تسخين

المبنى وتزويده بالماء الحار. بينما وضعت أنظمة التبريد والتكييف على السقف آمولد غاز أآثر

من آونها مولد آهربائي، وهذا يخفض من فقدان الطاقة المرتبط بنقل الطاقة الكهربائية. آما أن

الموجودة على المبنى من الخارج تزود المبنى بطاقة إضافية (Photovoltaic Panels) لوحات

تصل إلى ( 15 آيلو واط). وداخل المبنى تتحكم حساسات الحرآة بالمراوح وتطفىء الإضاءة في

المناطق قليلة الإشغال مثل السلالم. أما إشارات الخروج فهي مضاءة بثنائيات خفيفة مخفضة

40 %) مقارنة – لإستهلاك الطاقة. والنتيجة النهائية هي أن المبنى يستهلك طاقة أقل بنسبة ( 35

بأي مبنى تقليدي مماثل.

القابع في أحد (The Swiss Re Tower) ومن الأمثلة الأخرى على العمارة الخضراء برج

شوارع مدينة لندن والمصمم بواسطة المعماري نورمان فوستر وشرآاه، ويشير اللندنيون لهذا

الصرح المعماري بأنه الإضافة الأحدث إلى خط أفق مدينتهم العريقة، وهذا البرج المنتصب

آثمرة الخيار يتكون من ( 41 طابقاً)، إلا أن الشيء الرائع في هذا المبنى ليس شكله المعماري

الجميل ولكن آفائته العالية في استهلاك الطاقة، فتصميمه المبدع والخلاق يحقق وفراً متوقعاً في

استهلاك الطاقة يصل إلى ( 50 %) من إجمالي الطاقة الذي تستهلكه بناية تقليدية مماثلة. ويتجلى

غنى المبنى بمزايا توفير الطاقة في استعمال الإضاءة والتهوية الطبيعيتين آل ما أمكن ذلك.

وتتكون واجهة المبنى من طبقتين من الزجاج (الخارجية منها عبارة عن زجاج مزدوج)،

والطبقتان تحيطان بتجويف مهوى بالستائر الموجهة بالحاسب الآلي. آما أن نظام حساسات

الطقس الموجود على المبنى من الخارج يراقب درجة الحرارة وسرعة الرياح ومستوى أشعة

الشمس، ويقوم بغلق الستائر وفتح لوحات النوافذ عند الحاجة. أما شكل المبنى فهو مصمم بحيث

يزيد من استعمال ضوء النهار الطبيعي، ويقلل من الحاجة للإضاءة الاصطناعية، ويتيح مشاهدة

مناظر خارجية طبيعية حتى لمن هم في عمق المبنى من الداخل.

أما المبنى الأخضر الأآثر شهرة فهو موجود مؤقتاً على “لوحة الرسم” لحين إآمال مراحل

إنشائه وهو برج الحرية الذي سيتم بناؤه في الموقع السابق لمبنى مرآز التجارة العالمي في

نيويورك. المعماريون المصممون سكيدمور وأوينجز وميريل وإستوديو دانيال ليبيسكيند

قاموا بدمج مزايا (Skidmore, Owings & Merrill and Studio Daniel Libeskind)

التصميم البيئي في جميع أرجاء المبنى الضخم. وسيحوي البرج الرئيس والذي سيرتفع ( 1.776

قدم) الألواح الشمسية بالإضافة إلى محطة طاقة هوائية (تعمل على الرياح)، التوربينات يتوقع

أن تولد حوالي ( 1 ميجا واط) من الطاقة، وهو ما يكفي لتغذية البرج بنسبة ( 20 %) من احتياجه

المتوقع من الطاقة. ومثل المباني الخضراء الأخرى فإن البرج سيعتمد على الإضاءة والتهوية

الطبيعيتين، بالإضافة إلى أنظمة وعناصر الإنارة ذات الكفاءة العالية في استهلاك الطاقة .

العمارة المستدامة الخضراء والتراث العمراني :

مفهوم “العمارة المستدامة الخضراء” دخل حيز الاستعمال والرواج والانتشار في الأوساط

المهنية في قطاعات صناعة البناء والتشييد في الدول الصناعية المتقدمة فقط في التسعينيات من

القرن المنصرم، ولكن جذور هذه الحرآة يمكن تتبعها لسنوات طويلة في العصور الماضية. فقد

آانت الموارد المتاحة بما فيها الأرض ومواد البناء المحلية تستغل بكفاءة عالية، آما أنها قدمت

معالجات بيئية ذآية أسهمت إلى حد آبير في خلق توافق بيئي بين المبنى والبيئة المحيطة، ومن

تلك المعالجات العناية بتوجيهات المباني، وتوظيف طبوغرافية الأرض، واستخدام الأفنية

الداخلية، والعرائش، والمشربيات، وملاقف الهواء، والعناية بأشكال وأحجام النوافذ والفتحات،

والحوائط السميكة، والاعتماد على المواد المحلية آالطين والخشب، وجعل المباني متلاصقة

ومتقاربة، بالإضافة إلى استغلال وتوظيف العناصر النباتية في التكييف البيئي والتقليل من وطأة

الظروف المناخية. إن الفوائد والمزايا البيئية-الاقتصادية التي حققتها في الماضي عمارتنا المحلية

هي بحد ذاتها صور وتطبيقات مبكرة لمفهوم العمارة المستدامة الخضراء. لذلك فإن المطلوب

الآن هو تبني أفكار ودروس وعبر العمارة التقليدية من منظور بيئي-اقتصادي ومن ثم دراستها

وتطويرها وتوظيفها في المباني الحديثة بما يتلائم مع احتياجات العصر والتقدم العلمي

والتكنولوجي في أنظمة ومواد البناء .

Milan's Galleria V. Emanuele II

Milan’s Galleria V. Emanuele II

آما أن هناك أمثلة عالمية قديمة للعمارة المستدامة الخضراء ومنها على سبيل المثال القصر

في مدينة لندن والمبني عام 1851 م، وغاليريا (Crystal Palace) البلوري أو الكريستال بالاس

المبني عام 1877 م، (Milan’s Galleria V. Emanuele II) فيتوريو إمانويل ميلان الثانية

فقد تم فيهما استخدام مراوح السقف والغرف المبردة بالهواء تحت الأرض لضبط درجة الحرارة

Crystal Palace

Crystal Palace

الداخلية.

الممارسة المهنية الخضراء:

الإستدامة هي واحدة من أهم الاعتبارات التي يتم أخذها بالحسبان عند مزاولة المعماريين

والمهندسين للمهنة في الدول الصناعية المتقدمة، وقد أصبح الحديث عن العمارة الخضراء

والمباني المستدامة من الأمور المألوفة في الأوساط المهنية الهندسية في الكثير من الدول

الصناعية المتقدمة، وآان ذلك متزامناً مع القلق المتزايد بشأن التأثيرات السلبية للبيئة المشيدة

على الحالة البيئية لكوآب الأرض، بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية المتفاقمة نتيجة لارتفاع

تكاليف الطاقة ومواد البناء. ولذلك فقد تبنى المهنيون أنفسهم تجريب مصادر الطاقة البديلة،

وتطوير تقنيات خفض استهلاك الطاقة، وتقليل المخلفات والملوثات الصلبة والسائلة والغازية،

بالإضافة إلى تطوير مواد وأساليب جديدة للتصميم والتنفيذ والتشغيل والصيانة. يقول المعماري

جيمس ستيل في آتابه” العمارة الخضراء”: “…الإستدامة تتطلب توظيف المهارات التي

يستعملها المعماري بشكل أفضل آالتحليل، المقارنة، التأليف، والاستنتاج وهي تقود إلى

الخيارات الجمالية التي لها أساس في الحقيقة بدلاً من الأنماط التشكيلية.”…

لابد من التأآيد على أن مفاهيم وتطبيقات الإستدامة في صناعة البناء ليست ترفاً علمياً وإنما هي

أسلوب عملي جديد للممارسة المهنية أثناء التصميم والإشراف. قبل آل شيء يجب أن نثير بعض

الأسئلة عن الطرق المتبعة في تصميم وبناء مساآننا ومنشآتنا المعمارية، وما هي القرارات

التصميمية التي يتخذها المعماري والمهندس عند بلورة فكرة التصميم واختيار أنظمة ومواد

البناء، هذه القرارات التي تتخذ على عجل في أروقة المكاتب الهندسية والاستشارية تبدو ظاهرياً

سهلة وروتينية، ولكنها في الحقيقة أصبحت تشكل خطورة آبيرة من حيث أنها تؤثر وبشكل

مباشر على مستقبلنا البيئي والصحي والاقتصادي. ومعظم هذا القلق ينتهي إلى استعمال الموارد

وأهمها الطاقة التي أصبحت تشكل عبئاً اقتصاديا آبيراً على الأفراد والمجتمعات والحكومات.

والطاقة المستهلكة في أنشطة البناء لا تتوقف على عمليات التشغيل التقليدية لأن الطاقة مجسدة

في مواد البناء نفسها، في استخراجها من الطبيعة وتصنيعها ونقلها وترآيبها وتجميع الفاقد

والتخلص منه، وبعد ذلك تأتي عمليات التشغيل المتواصلة وتصبح الطاقة عبئاً اقتصادياً وبيئياً في

نفس الوقت بسبب التلوث الناجم عن غازات البيت الزجاجي والانبعاث الأخرى. ثم هناك خسارة

الجمال الطبيعي وتدمير الأنظمة الحيوية واستنزاف الموارد البيئية، وهذه جميعها تتزامن مع

عمليات استخراج موارد الطاقة وخامات مواد البناء من الطبيعة .

الخلاصة

أن تفعيل تطبيق مفاهيم وممارسات الإستدامة والعمارة الخضراء في صناعة البناء لا يمكن أن

يتم إلا عن طريق المعماريين والمهندسين المؤهلين في هذا المجال، وهو ما سيقود إلى إيجاد

الحلول الملائمة للمشاآل البيئية والاقتصادية والوظيفية

إن “العمارة الخضراء” “والمباني المستدامة” ليست ترفاً أآاديمياً، ولا توجهاً نظرياً أو أماني

وأحلام لا مكان لها من الواقع، بل إنها تمثل توجهاً تطبيقياً عالمياً وممارسة مهنية واعية بدأت

تتشكل ملامحها وأبعادها بشكل آبير في أوساط المعماريين والمهندسين المعنيين بقطاعات البناء

في الدول الصناعية المتقدمة. وقد قطعت تلك الدول أشواطاً طويلة في هذا المجال وهناك تزايداً

ملحوظاً في الإقبال على هذا التوجه من قبل العامة في ظل الاهتمام المتواصل من قبل المهنيين

الفاعلة التي تستطيع توطين هذه (Tools) أنفسهم .فالمعماريون والمهندسون هم بمثابة الأدوات

التقنيات وتأصيلها آممارسات مهنية أثناء تصميم مشاريع المباني والإشراف على تنفيذها. وهذا

بدوره يتطلب الاهتمام بالتعليم المعماري والهندسي في جامعاتنا بحيث تصبح آليات العمارة

والهندسة “حاضنة” لتوجه العمارة الخضراء والمباني المستدامة .

من المنظور المهني، ومن أجل إيجاد الحلول البيئية والاقتصادية للمشاآل التي يعاني منها قطاع

البناء نحن بحاجة ماسة إلى تغيير الأنماط التقليدية المتبعة في تصميم وتنفيذ مبانينا لجعلها أآثر

استدامة، وهذا التغيير المطلوب يجب أن يبدأ من العنصر الرئيس في عمليات صناعة البناء وهو

المعماري والمهندس المصمم، أما وسائل إحداث هذا التغيير فهي آما أسلفنا تنبع من العملية

التعليمية في آليات العمارة والهندسة، وتتواصل أثناء الممارسة من خلال التعليم المستمر

والتدريب والتأهيل المهني في هذا المجال.

 

 

التصميم المستدام, المستدام في العمارة الخضراء , معايير التصميم المستدام في الامارات , الاستدامة والمبنى المستدام 

أفضل ممارسات المبنى المستدام حول العالم 

اليات العمارة والهندسة للمبنى المستدام 

كيف تعرف المبنى المستدام والاستدامة والمباني الخضراء 

المستدام 

المستدام في العمارة الحديثة 

المستدام في الهندسة 

المستدام في قوانين ابو ظي

 

Permanent link to this article: http://www.e-basel.com/%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b5%d9%85%d9%8a%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%aa%d8%af%d8%a7%d9%85-%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b6%d8%b1%d8%a7%d8%a1/